قد يبدو تحليل الدم الروتيني طبيعياً، ثم تظهَر بعد أشهر أو سنوات نتيجة مختلفة قليلاً. لكن ماذا لو كانت أهمية هذه النتيجة لا تكمن في كونها مرتفعة أو منخفضة فقط، بل في اتجاه تغيراتها مقارنة بالتحاليل السابقة؟ هذا السؤال دفع باحثين من جامعة أكسفورد إلى دراسة ما إذا كان تحليل الدم للكشف عن السرطان يمكن أن يصبح أكثر فائدة عندما ينظر الطبيب إلى سلسلة النتائج عبر الزمن، بدلاً من الاعتماد على نتيجة واحدة.
الدراسة المنشورة في مجلة PLOS Medicine في سبتمبر 2026، وجَدت أن بعض التغيرات في تحاليل الدم سبقَت ظهور فقدان الوزن غير المبرر لدى أشخاص شُخّصوا لاحقاً بالسرطان بنحو 3 إلى 5 سنوات. لكن النتائج لا تعني أن تحليل الدم يستطيع تشخيص السرطان بمفرده، بل تشير إلى إمكانية استخدام التغيرات المتراكمة كجزء من تقييم احتمال حدوث هذه الإصابة.
حلل الباحثون السجلات الطبية لـ275,205 أشخاص بالغين في الرعاية الأولية في إنجلترا، كانوا قد راجعوا الأطباء بسبب فقدان وزن غير متوقع. ومن بينهم، تم تشخيص 13,798 شخصاً بالسرطان خلال فترة المتابعة المحددة، أي نحو 5% من المجموعة.
وقارن الباحثون بين طريقة تعتمد على أحدث نتيجة للتحليل، وطريقة أخرى تراقب اتجاه النتائج السابقة لـنحو 26 فحصاً شائعاً للدم خلال فترات مختلفة، وصلت إلى 10 سنوات. ووجَدوا أن تحليل التغيرات عبر الزمن كان أكثر قدرة على التمييز بين الأشخاص الذين شُخّصت إصابتهم بالسرطان في عدد من الحالات، خصوصاً بعد ضبط النتائج وفق العمر والجنس.
وهذا يعني أن تحليل الدم للكشف عن السرطان قد يكون أكثر فائدة عندما يُقرأ ضمن التاريخ الطبي للشخص، وليس باعتباره رقماً منفرداً.
لم يجد الباحثون علامة واحدة يمكن استخدامها لتشخيص نوع محدد من السرطان. وإنما ظهَرت ارتباطات بين تغيّر بعض النتائج وأنواع معينة من هذا المرض. ومن أبرزها:
ويُذكر أن هذه الارتباطات لا تعني أن الشخص الذي تظهَر لديه هذه التغيرات مصاب بالسرطان أو سيصاب به حتماً، لأن هذه النتائج يمكن أن تتأثر بالالتهابات والنزيف والتغذية والأدوية وأمراض أخرى.
فقدان الوزن دون اتباع حمية أو زيادة النشاط البدني هو من الأعراض التي تستحق التقييم، لكنه لا يعني تلقائياً الإصابة بالسرطان. فقد يَحدث بسبب اضطرابات الغدة الدرقية أو السكري أو مشكلات الجهاز الهضمي أو مشكلات نفسية أو سوء التغذية وغيرها. وتَنصح هيئة NHS بمراجعة الطبيب إذا استمر فقدان الوزن دون تغيير مقصود في النظام الغذائي أو النشاط البدني.
وتولي الإرشادات البريطانية اهتماماً خاصاً بهذه العلامة. فوفق NICE، ينبغي للأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر ويفقدونَ أكثر من 5% من وزنهم دون تفسير خلال ستة أشهر أن يخضعوا لتقييم عاجل، لأن فقدان الوزن قد يرتبط بعدة أنواع من السرطان، منها سرطان الأمعاء والرئة والبنكرياس والبروستاتا وبعض سرطانات الجهاز الهضمي والمسالك البولية.
لذلك قد يساعد تحليل الدم للكشف عن السرطان في إعطاء الطبيب معلومات إضافية عندما يجتمع فقدان الوزن مع تغيرات مستمرة في الفحوص.
الإجابة لا. لا يوجد في هذه الدراسة تحليل دم واحد يمكنه تأكيد الإصابة بالسرطان أو التنبؤ بذلك. وحتى عندما تبدو نتيجة معينة غير طبيعية، فقد يكون السبب حالة صحية أخرى.
الفكرة التي تدعمها الدراسة مختلفة: يمكن للطبيب أن ينظر إلى مسار النتيجة، أي هل ارتفع المؤشر أو انخفض تدريجياً؟ وهل حدَث التغير بالتزامن مع أعراض أخرى؟ وهل يختلف تفسيره باختلاف عمر الشخص وجنسه؟
وهذا مهم لأن نتيجة تقع داخل المجال الطبيعي للمختبر قد تحمل دلالة مختلفة إذا كانت قد تغيرت باستمرار عن نتائج الشخص السابقة. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه الطريقة تحتاج إلى مزيد من التحقق قبل استخدامها على نطاق واسع في الممارسة الطبية.
لا تظهَر جميع أنواع السرطان بالطريقة نفسها، وقد تكون الأعراض العامة ناجمة عن أمراض غير سرطانية أيضاً. لكن استمرار تغيرات غير معتادة يستحق مناقشتها مع الطبيب.
ومن العلامات التي قد تستدعي التقييم:
وتشير Cancer Research UK إلى أن فقدان الوزن والتعب والألم غير المفسَّر هو من الأعراض العامة التي قد تظهَر مع السرطان، لكنها يمكن أن تَنتج أيضاً عن أسباب أخرى.
لا تعني هذه الدراسة أن على الأشخاص إجراء تحليل الدم للكشف عن السرطان بشكل متكرر من دون سبب طبي. كما أنها لا تقترح أن كل تغيّر صغير في فحص الدم يستدعي الخوف أو إجراء فحوص متقدمة.
الأهمية تكمن في الاستفادة من التحاليل التي أُجريت بالفعل. فإذا كان لدى الطبيب نتائج سابقة، فقد تساعد مقارنتها بالنتائج الجديدة في تكوين صورة أكثر وضوحاً عن التغيرات التي تحدث مع مرور الوقت.
كما أن الدراسة نفسها لديها قيود؛ إذ شملت فقط الأشخاص الذين أُجريت لهم تحاليل في الرعاية الطبية، وكان تحليل الاتجاهات يتطلب وجود نتيجتَين أو أكثر في الفترات المدروسة. لذلك لا يمكن تعميم النتائج على جميع الأشخاص أو اعتبارها اختباراً عاماً للكشف المبكر عن السرطان.
إذا فقدت وزناً دون محاولة، أو لاحظت أعراضاً جديدة أو مستمرة، لا تنتظر ظهور نتيجة غير طبيعية في التحليل حتى تستشير الطبيب. اصطحب نتائج تحاليلك السابقة إن كانت متوفرة، لأن مقارنة النتائج عبر الزمن قد تساعد الطبيب على فهم الصورة كاملة. ولا تحاول تفسير نتيجة منفردة بنفسك، لأن المجال الطبيعي للتحاليل يختلف بحسب عوامل عديدة.
نهايةً، هل يمكن أن يساعد تحليل الدم للكشف عن السرطان في رصد المرض مبكراً؟ هذه الدراسة الحديثة تكشف أن تغيرات بعض نتائج الدم عبر السنوات قد ترتبط بزيادة احتمال الإصابة بالسرطان قبل ظهور الأعراض. تفتح هذه الدراسة باباً جديداً أمام مفهوم تحليل الدم للكشف عن السرطان ليس باعتباره اختباراً سحرياً يحدد وجود المرض، وإنما كجزء من صورة أكبر تعتمد على متابعة التغيرات مع مرور الوقت. فقد تظهَر بعض الاتجاهات في النتائج قبل ظهور أعراض عامة مثل فقدان الوزن غير المبرر، وقد تساعد هذه المعلومات الطبيب في تحديد الأشخاص الذين يحتاجون إلى تقييم إضافي.
لكن الطريق من معرفة نتائج هذه الدراسة إلى استخدامها كأداة طبية روتينية لا يزال يحتاج إلى مزيد من الأبحاث والتحقق السريري. فهل ستتمكن أنظمة الرعاية الصحية مستقبلاً من قراءة تاريخ تحاليل المريض تلقائياً واكتشاف التغيرات الدقيقة قبل ظهور الأعراض؟ وهل ستؤدي هذه التقنية إلى تشخيص أبكر فعلاً، أم إلى مزيد من الفحوص والإنذارات الكاذبة؟ هذه أسئلة ما زالت الأبحاث المقبلة مطالبة بالإجابة عنها.