الاثنين، 8 مارس 1999، أوستن، تكسَس، الولايات المتحدة الثانية وعشر دقائق صباحًا، على الفراش، بدلًا من أن أقول لـ«...» «تصبحين على خير» كالعادة، قلت لها من غير قصد: «مع السلامة». استوقفتني العبارة بعد أن تلفظت بها، وارتعش جسدي الذي قال الوداع من دون أن يقصد. أتراني ودَّعتها إلى موتي، أو إلى فراقنا، من دون أن أدري؟ لم أنم طوال الليل ليس فقط بسبب التفكير في «مع السلامة»، ولكن كذلك بسبب الرياح المفاجئة التي هبَّت على المدينة، حيث طفقت المقاعد الخفيفة الموضوعة في الشرفات تصطخب في ارتطامها بالحديد، وأخذت الذئاب الملعونة التي هرَّبتها الريح من الغابة تعوي في ذاكرتي، وتنهش اللحاف. شربت في الصباح قهوة كثيرة، ثم ذهبت إلى الجامعة وألقيت مداخلتي في الدرس وأنا أتثاءب. ذهبت بعدها إلى مكتب الاستشارات القانونية فأُفدت بأن الجامعة لن يكون في وسعها تكليف أحد محاميها للدفاع عني في المحكمة، وأن عليَّ اللجوء إلى محامٍ خاص؛ الأمر الذي سيكلفني، إضافة إلى رسوم المحكمة والحكم، أكثر من ألف دولار «...». كم رغيف خبز يمكن أن يأكل المرء بهذا المبلغ؟ كم كتابًا يستطيع أن يبتاع من مخازن الكتب المستعمَلة؟ كم فيلمًا يستطيع أن يشاهد؟ كم متحفًا يستطيع أن يزور؟ كم فاتورة ماء وكهرباء يستطيع أن يسدد؟ كم صديقًا بديعًا بعيدًا يستطيع أن يهاتف؟ بدت احتمالات الحكم حسب المحامية التي قابلتها أنه يمكن سجني مدة تتراوح بين اثنتين وسبعين ساعة إلى مائة وثمانين يومًا. أما إيقاف صلاحية رخصة قيادة السيارة لمدة شهرين أو أكثر ففي حكم المؤكد. والمشكلة قد تكمن، ضمن الحكم، في الوقت الطويل في «خدمة المجتمع» و«الإخضاع للاختبار». إذًا، لا مناص من طلب «المساعدة» من أحد المحامين الذين عرضوا «المساعدة» عليَّ؛ فالنظام مركَّب على نحو لا تستطيع معه الفرار منه. الخميس، 11 مارس 1999، أوستن، تكسَسوصول عروض «مساعدة» جديدة، وإنفاق اليوم في مقابلة ثلاثة محامين. اكتشفت مجددًا الأبعاد الأخطبوطيَّة لـ«جريمتي». يوم مضجر وقلق، وأستطيع الآن أن أفهم مشاهد الألفة والصداقة خارج قاعات المحاكم بين ممثلي الادعاء العام ومحامي المتَّهَمين في الروايات والأفلام. الجمعة، 12 مارس 1999، أوستن، تكسَس (1) انضمام جمهورية التشيك، وبولندا، وهنغاريا لعضوية حلف «الناتو». حقًا إن الأرض تدور! (2) عند الغروب، تمشَّيت مع «...» تحت سماء ملبَّدة بغيم ينذر بالمطر. أرعدت وأبرقت وانهمر الماء السَّماوي، ورأينا حبَّاته الكبيرة تتساقط عبر الأضواء مثل اللآلئ، وركضنا، وتبللت ثيابنا بالماء، وانتشينا، وضحكنا، وعامت قدماي في الماء داخل فردتي الحذاء الخفيف، ولجأنا إلى مبنى مدرسة، وتذكرنا أمطار البلاد، ولم أشعر بشيء من الحنين من مثل هذا الحنين في المطر منذ زمان، وعدنا إلى الشقّة، وفتحنا النوافذ وباب شرفة غرفة النوم، وأحببنا بعضنا كثيرًا. السبت، 13 مارس 1999، أوستن، تكسَس اليوم، إهدار ست ساعات كاملة في مدرسة تعلُّم سياقة لحضور درس عن «القيادة الدفاعيَّة» (defensive driving) عن مخالفة عبور الإشارة الحمراء، وذلك رغبة مني في تخفيض قيمة المخالفة، وتخفيض قيمة تأمين السيارة، وبالمقدار نفسه -أو أقل من ذلك قليلًا جدًا فقط- الفضول للتجربة؛ إذ إني أسمع منذ سنوات عن هذا النوع من الدروس. من الأفضل أن يمر المرء بتجارب مباشرة مع هذه الأشياء؛ فهذا النظام الأكثر غسلًا للدماغ وشموليَّة في السيطرة المتكاملة. بدأ الدرس برسالة مسجَّلة من القاضي على شريط فيديو. تحدَّث عدالته عن ضرورة تعبئة البيانات الصحيحة في الاستمارة المخصصة لذلك. غير أن حضرته عرض علينا -هكذا «عيني عينك»-«صفقة» ماليَّة إذ وعد بـ«مكافأة» مقدارها خمسمائة دولار لكل من يتقدم بمعلومات تقود إلى إدانة مُزَوِّر أو منتحِل (إضافة إلى أنواع أخرى من المخالِفين الأشقياء لا أتذكرهم، فقد أنقذني القرف الشديد من الأمر كلّه الاستماع لبقية ما قال). نهارًا جهارًا كان القاضي المبجَّل يعرض علينا رشوة. شاهدنا بعد ذلك أشرطة فيديو تعرض فيه جثث ممزَّقة لضحايا حوادث السير، وسمعنا عويل الجرحى ورأينا دماءهم تسيل «لكيلا نقع في الموقف نفسه». اندلق علينا مدرِّس مكسيكي الأصل (يحاول أن يكون جون John الأمريكي أكثر أمريكيَّة من جون ويخفق في ذلك بطريقة تدعو للضحك الخافت والقصير) لإحصائيَّات، وأرقام، ونصائح، وأمثلة متراكمة من خبرته الطويلة العريضة. خارج الإرهاب والإرعاب الرخيصين الذين يذكِّران ببعض الأفلام السينمائية كان هناك القليل مما يتوقعه المرء في «درس». وحتى لو كان هناك أكثر مما أدَّعي فإن سياق تقديمه مجرد ذريعة للغرض الأصلي؛ فهذه ثقافة ومجتمع التدجين والاستغلال بامتياز، إذ إن السُّلطة تريد أن تستحوذ على الشَّر بكامله (كتب فرويد بسخط بعد ستة شهور من نهاية الحرب الأولى إن الدولة لا تريد أن تنقذ الفرد من ارتكاب الشرور، ولكنها تريد أن تحتكر العنف كما تحتكر تجارة التبغ والملح). إنهم ليسوا حريصين على «سلامتك»، فما الذي تعنيه أنت لهم؟ لا شيء أكثر من رقم في أحد طوابير الاستغلال الطويلة. ولكنهم حريصون للغاية على درء أي مما قد يقلق النظام (system) ويربك الإنتاج، ويتحدى القيم والمعايير الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة التي وضعها. اليوم، خسرت ست ساعات من عمري، وربحت حوالي مائة وخمسين دولارًا تخفيضًا للمخالفة والتأمين، وكسبت تجربة، وتذكرت بيتر أيبرامز: «ضوء غريب في عيني الرجل الأبيض» (فتى المنجم). عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني
القاضي المبجَّل يعرض علينا رشوة
الاثنين، 8 مارس 1999، أوستن، تكسَس، الولايات المتحدة الثانية وعشر دقائق صباحًا، على الفراش، بدلًا من أن أقول لـ«...» «تصبحين على خير» كالعادة، قلت لها من غير قصد: «مع السلامة». است...
الأخبار العاجلة تصلك أولاً على تلغرام
انضم لقناتنا لتتابع أهم الأخبار فور وقوعها، بدون تعقيد.