قد لا تبقى السلع الصينية الرخيصة بمنأى عن موجة ارتفاعات جديدة، بعدما اقتربت مخزونات بكين من المواد البتروكيميائية من مستويات متدنية، في تطور يهدد برفع تكلفة الإنتاج في صناعات واسعة تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية.
وفي نافذة اقتصادية للجزيرة، عُرضت مخاوف أشار إليها تقرير "جي بي مورغان تشيس" من أن ينعكس شح الإمدادات سلبا على المستهلكين على نحو متزايد، بعدما استنزفت الحرب منذ أواخر فبراير/شباط مخزونات تراكمت على مدى سنوات.
وتبرز خطورة التطور من الوزن الذي تمثله الصين في سوق الكيماويات العالمية؛ إذ تستحوذ على نحو 46% من إيرادات المبيعات العالمية، مقابل أكثر من 11% للولايات المتحدة، فيما تتقدم ألمانيا الدول الأوروبية بحصة تتجاوز 4%.
وتأتي اليابان بحصة تقارب 3%، وكوريا الجنوبية بأكثر من 2.5%، بينما يتوزع نحو ثلث السوق على بقية الدول، ومن بينها الهند والسعودية، وعلى مستوى الإنتاج، تستحوذ الصين على 44%، مقابل 11% للولايات المتحدة و6% لدول مجلس التعاون بقيادة السعودية.
وترتبط الأزمة باضطراب تدفق النفط والمواد الأولية عبر مضيق هرمز، ما رفع كلفة الخام ومدخلات الصناعة وأبطأ وصول الإمدادات إلى المصانع الصينية، ومع تراجع المخزون، تتقلص قدرة الشركات على امتصاص الصدمات كما كانت تفعل سابقا.
ويقول خبير شؤون الطاقة الدكتور هاشم عقل، من عمّان، إن نقص البتروكيماويات يضيف بعدا جديدا لأزمة الطاقة؛ فالتأثير لا يقف عند سعر برميل النفط، بل يمتد إلى قدرة الصناعات التحويلية على تأمين المواد الخام اللازمة للإنتاج.
وتدخل هذه المواد في سلاسل إنتاج مترابطة تشمل البلاستيك والمنتجات المنزلية ومواد البناء والسيارات والإطارات، فضلا عن استخدامات صناعية أخرى، لذلك لا يبقى أثر النقص داخل الصين، بل ينتقل عبر صادراتها إلى أسواق تعتمد على منتجاتها.
ويحذر عقل من أن البحث عن بدائل للاستيراد قد يرفع التكلفة بسبب بُعد المسافات أو ندرة المواد أو المنافسة عليها في الأسواق الفورية، وعندما تدفع المصانع أسعارا أعلى للمدخلات، تصبح الصادرات الصينية مرشحة لزيادة الأسعار.
ولا تقتصر الضغوط على أسعار المواد الخام؛ فارتفاع الشحن والتأمين ونقص الناقلات المتخصصة يزيد صعوبة إيصال المواد في الوقت المناسب، إذ تتطلب بعض الشحنات سفنا بمواصفات فنية محددة لا تتوافر بكثرة، وهو ما يوضحه عقل.
ويقدّر الخبير أن النقص في بعض المواد الأساسية يتراوح بين 30 و45%، وقد يصل أحيانا إلى 50%، ومع ارتفاع كلفة الإمداد، تتراجع هوامش أرباح المصانع، فيما تتحول المشكلة إلى عبء إضافي على سلاسل الإنتاج العالمية.
وأمام هذه الضغوط، قد تضطر المصانع الصينية إلى تقليص ساعات العمل أو التنازل عن جزء من الأرباح أو رفع أسعار منتجاتها للحفاظ على استمراريتها، ويعني ذلك أن المستهلكين في الأسواق المستوردة قد يواجهون سلعا أعلى كلفة.
ولا تنتج الصين لتلبية الطلب المحلي وحده؛ فبعض المواد الخام المستوردة يُعالَج داخلها ليصبح مواد وسيطة تُستخدم في مصانع بدول أخرى، وبذلك، يمكن أن تنتقل زيادة التكلفة من المنتج الصيني إلى حلقات لاحقة في سلاسل الإمداد الدولية.
ولا تتوقف التداعيات عند السلع الصناعية، إذ يضع عقل الكبريت واليوريا في مقدمة المواد المقلقة بسبب دورهما في صناعة الأسمدة، فنقص هذه المدخلات قد يدفع المزارعين إلى تقليل استخدامها، بما ينعكس على المساحات المزروعة وحجم المحاصيل.
ويشير الخبير إلى أن ارتفاع أسعار الأسمدة في الولايات المتحدة دفع مزارعين إلى شراء كميات أقل، ما حدّ من المساحات التي يزرعونها وأثر في الإنتاج الزراعي، ومع تقلص المعروض، ترتفع احتمالات انتقال التكلفة إلى أسعار الغذاء في دول عدة.
وتكتسب اليوريا أهمية خاصة لزراعة محاصيل أساسية، بينها القمح والأرز والذرة، بينما يدخل الهيليوم في تصنيع الأدوات الطبية والرقائق الإلكترونية. ولهذا، فإن نقص هذه المواد يهدد قطاعات تتجاوز الصناعة الكيميائية إلى الأمن الغذائي والصحة والتكنولوجيا.
وتكشف هذه التطورات مدى الترابط بين أمن الطاقة والغذاء والصناعة والاستهلاك اليومي؛ فتعطل الملاحة وتأخر الصادرات يحدان من المواد المتاحة للمصانع، ثم يضغطان على الإنتاج والأسعار، ولا تملك الأسواق البديلة بالضرورة طاقة فورية تكفي لسد الفجوة.
كما أن ارتفاع تكلفة وصول المواد الخام لا ينعكس على المصنع وحده، بل يطال الشركات التي تعتمد على مدخلات وسيطة صينية أو تنافس على المواد نفسها، وهذا يزيد أعباء الإنتاج وقد يرفع أسعار السلع النهائية في آسيا وأوروبا وأمريكا.
وبذلك، لا يعني تراجع المخزونات انتهاء السلع الصينية الرخيصة تلقائيا، لكنه يهدد إحدى أهم مزاياها إذا استمرت اضطرابات الإمدادات وارتفعت تكاليف النقل والتأمين والمواد الخام، ويتوقف حجم الأثر على سرعة استعادة التدفقات وقدرة المنتجين على امتصاص التكلفة.