لا يُقاس التصميمُ الداخلي بما تراه العينُ فحسب، فبعضُ المساحاتِ قادرةٌ على أن تُشعِرنا بها حتى قبل أن نُدقِّق في تفاصيلها. ومن هنا يأتي مفهومُ التصميمِ الحسِّي الذي يهتمُّ بالتقاطِ اللمسِ، والسمعِ، والشم، وحتى البصر باستخدامِ عناصرَ، منها الإضاءةُ، والملمسُ، والخاماتُ، والصوتيَّاتُ، والروائحُ، ودرجةُ الحرارة للتأثيرِ في الراحةِ، والمزاجِ، والرفاهيَّة.
على الرغمِ من أن مصطلحَ التصميمِ الحسِّي يُستَخدم على نطاقٍ واسعٍ اليوم إلا أن جذوره تعودُ إلى تأمُّلاتٍ، ونظريَّاتٍ أسهمت في إحداثِ تحوُّلٍ جذري في مفهومِ التصميمِ نفسه. ومن بين أكثر هذه التوجُّهاتِ تأثيراً التصميمُ العاطفي، وهو يُسلِّط الضوءَ على أن تقييمَ الأشياءِ والمساحاتِ لا يعتمدُ فقط على وظائفها، بل وأيضاً على المشاعرِ التي تُثيرها لدى الإنسان. وفي الوقتِ نفسه، بدأت العمارةُ تتبنَّى فكرة، أن المكانَ ينبغي أن يُختَبر بالجسدِ بأكمله لا أن يُكتَفى بمشاهدته بالعينَين. ومن هذه المنطلقات، ظهرَ التصميمُ الحسِّي المعاصر بوصفه توجُّهاً، يجمعُ بين الجماليَّاتِ، والإدراك، والتكنولوجيا، والرفاه.
يمكنك قراءة أيضًا: ألوان غرفة المعيشة في خريف 2026.. 4 تنسيقات مميزة بتكلفة معقولة
تُوضح المهندسة الداخليَّة هليا علوي، التي التقيناها للتعريفِ بهذا النوعِ من التصميم، أن «الألوان لها دورٌ أساسي في التصميمِ الحسِّي، فهي تُؤثِّر بشكلٍ كبيرٍ في مدى شعورنا بأن الغرفةَ دافئةٌ أو باردةٌ، وهادئةٌ أو حميميَّةٌ، أو باعثةٌ على النشاط». لذا «من المهمِّ اختيارُ الألوانِ في ديكورِ المنزل بناءً على وظيفةِ كلِّ غرفةٍ، والأشخاصِ الذين يستخدمونها، وكميَّةِ الضوءِ التي تدخلها، والأجواءِ المُراد تحقيقها، وليس بالاتِّكاءِ على الاتِّجاهاتِ الرائجة حصراً. بمعنى آخرَ، تُساعد الألوانُ المحايدةُ الناعمة، والأخضرُ الهادئ، والأزرقُ الرقيق، والدرجاتُ الترابيَّةُ في خلقِ إحساسٍ بالاسترخاء. أمَّا الدرجاتُ الدافئة، ومنها التيراكوتا، والبيجُ الدافئ، والبنِّي الناعم، فيمكن أن تجعلَ المساحة أكثر ترحيباً. في حين يمكن للألوانِ الأكثر إشراقاً، أو كثافةً، أن تُضيف الحيويَّةَ، والتحفيز، وعليه غالباً ما تكون مناسبةً بوصفها لمساتٍ مميَّزةً، أو في المساحاتِ الأكثر نشاطاً. ثم، من المهمِّ أيضاً معرفةُ أن الإضاءةَ، والملمسَ، والخامة، يمكن أن تُغيِّر بشكلٍ كاملٍ الطريقةَ التي نرى بها اللون».
يجبُ أن يكون الضوءُ الطبيعي نقطةَ البدايةِ دائماً، إذ يتغيَّرُ على مدارِ اليوم، ويمكن أن يجعلَ المكانَ يبدو أكثر اتِّساعاً، وانتعاشاً، وارتباطاً بالمساحات الخارجيَّة، حسبَ المهندسة هليا. تشرحُ: «في مناطقَ مثل غرفِ المعيشة، والمطابخِ، والمكاتبِ المنزليَّة، تجعلُ الإضاءةُ الطبيعيَّةُ الجيِّدة البيئةَ أكثر حيويَّةً وعمليَّةً، بينما في غرفِ النوم، يمكن لضوءِ النهارِ الناعم والمفلتر، أن يخلقَ أجواءً أكثر راحةً». وتُبيِّن أن الإضاءةَ الاصطناعيَّةَ تدعمُ وظيفةَ كلِّ مساحةٍ، والأجواءَ الخاصَّة بها، لذا تقولُ: «يُفضَّل الجمعُ بين الإضاءةِ العامَّة، وإضاءةِ المهام، والإضاءةِ الموجَّهة، أو التجميليَّة بدلاً من الاعتمادِ على مصباحٍ سقفي مركزي واحدٍ». وتُضيف علوي: «المطابخُ، ومساحاتُ العملِ تحتاج إلى إضاءةٍ أقوى وأكثر تركيزاً لأداءِ المهام، بينما تستفيدُ غرفُ المعيشةِ من طبقاتِ إضاءةٍ أكثر دفئاً ونعومةً من خلال مصابيحِ الأرضيَّةِ والطاولات، والإضاءةِ المخفيَّة، ووحداتِ الإضاءةِ الزخرفيَّة. أمَّا غرفُ النوم، فمن الأفضل أن تعتمدَ على إضاءةٍ هادئةٍ ودافئةٍ مع مصابيحَ منفصلةٍ إلى جانبِ السرير. في حين تحتاجُ الحمَّامات إلى إضاءةٍ وظيفيَّةٍ جيِّدةٍ حول المرآة مع إضاءةٍ عامَّةٍ أكثر نعومةً متى أمكن. والأهمُّ هو أن تكون الإضاءةُ مرنةً وقابلةً للتكيُّف».
يمكنك قراءة أيضًا: قطع الديكور الفينتاج سر فخامة منازل الأثرياء.. دارجة في 2026
تُولِّد الخاماتُ المختلفةُ استجاباتٍ حسيَّةً مختلفةً، فالخشبُ، مثلاً، يُضفي الدفءَ غالباً، وإحساساً بالقربِ من الطبيعة، بينما يمكن للحجرِ أن يبثَّ في المكان شعوراً بالثباتِ، والهدوءِ، والارتباطِ بالأرض. تستطردُ المهندسة الداخليَّة هليا في هذا الجانب: «الأقمشةُ مثل الكتَّانِ، والصوفِ، والمخملِ، والبُوكليه ناعمةٌ ومريحةٌ، وتُساعد في امتصاصِ الصوت، ما يجعلُ المساحةَ أكثر هدوءاً وحميميَّةً. كذلك يمكن لتشطيباتٍ مثل الجصِّ، والدهاناتِ ذات الملامسِ، والخاماتِ المنسوجة، أو المعادنِ المصقولة، أن تُضيف عمقاً وثراءً بصرياً وحسياً دون الاعتمادِ بشكلٍ كبيرٍ على الألوان». لكنْ الأهمُّ هنا هو تحقيقُ التوازن، إذ تُفضِّل علوي الجمعَ بين الملامسِ المتباينة مثل سطحٍ حجري أملس مع خشبٍ دافئ، أو قماشٍ ذي بنيةٍ واضحةٍ مع سجَّادةٍ أكثر نعومةً حتى تبدو المساحةُ غنيَّةً ومتعدِّدةَ الطبقات بدلاً من أن تبدو مسطَّحةً ورتيبةً. وفي التصميمِ الحسِّي، لا يتم اختيارُ الخاماتِ بناءً على مظهرها ومتانتها حصراً، بل وأيضاً بناءً على ملمسها، ودرجةِ حرارتها، وتأثيرها في الصوتيَّات، والأجواءِ، والمشاعرِ التي تخلقها داخلَ المكان.
الرائحةُ قد تُؤثِّر بشكلٍ مباشرٍ في المزاجِ، والذاكرةِ، والانطباعِ العام عن المكان، لذا تُعدُّ عنصراً قوياً في التصميمِ الحسِّي، وتكون أكثر فاعليةً عادةً عندما تبدو طبيعيَّةً وهادئةً بدلاً من أن تكون أوَّلَ ما يُلاحظه الشخصُ عند دخولِ الغرفة. عليه، تُشير المهندسة هليا إلى أن «غرفَ النوم، يُستَحسن فيها استخدامُ الرائحةِ الناعمةِ والمهدِّئة مثل اللافندر، والبابونج، وخشبِ الصندل، أو رائحةِ الكتَّانِ الخفيفة للمساعدةِ في خلقِ أجواءٍ مريحةٍ للأعصاب. أمَّا في غرفِ المعيشة، فيمكن للأريجِ الأكثر دفئاً مثل خشبِ الأرز، أو العنبرِ، أو التين، أو الحمضيَّاتِ الخفيفة، أن تجعلَ المكانَ أكثر ترحيباً. وفي المكاتبِ المنزليَّة، يمكن اختيارُ رائحةٍ أكثر انتعاشاً مثل الحمضيَّاتِ، أو النعناعِ، أو الأوكالبتوس، أو إكليلِ الجبل لخلقِ بيئةٍ أكثر يقظةً». وتتابعُ: «لطريقةِ إدخالِ الرائحةِ إلى المكانِ أهميَّةٌ أيضاً، فالشموعُ، وأجهزةُ نشرِ الروائح، والزهورُ الطبيعيَّة، والنباتاتُ الخضراء، وحتى بعض الخاماتِ مثل الخشبِ الطبيعي، يمكن أن تُسهم جميعها في تعزيزِ التجربةِ الحسيَّة، لكنْ المفتاحُ الأساسي، هو الاعتدالُ، ومراعاةُ التفضيلاتِ الشخصيَّة».
يُؤثِّر الصوتُ بشكلٍ مباشرٍ في الراحةِ، والتركيزِ، والاسترخاءِ، والخصوصيَّة. وللتحكُّمِ في الضوضاءِ والصدى، يمكن استخدامُ عناصرَ ناعمةٍ وماصَّةٍ للصوت مثل السجَّادِ، والستائرِ، والأثاثِ المنجَّد، والألواحِ الجداريَّةِ الصوتيَّة، والأسقفِ المُعالجة صوتياً، وحتى خزائن الكتب. وتكون هذه العناصرُ، وفق علوي، مفيدةً بشكلٍ خاصٍّ في المنازلِ ذات المساحاتِ المفتوحة، أو الأماكنِ الغنيَّةِ بالتشطيباتِ الصلبة مثل الحجرِ، والزجاجِ، والبلاط. في المقابل، يمكن استخدامُ الصوتِ بطريقةٍ إيجابيَّةٍ لتعزيزِ أجواءِ المكان، إذ وفي غرفِ المعيشة، يمكن للموسيقى الهادئةِ في الخلفيَّة، أن تجعلَ المساحةَ أكثر ترحيباً، بينما يمكن في غرفِ النومِ استخدامُ أصواتٍ محيطةٍ لطيفةٍ للمساعدة في الاسترخاء. أمَّا في مساحاتِ العمل، فعادةً ما تكون البيئةُ الصوتيَّةُ الهادئة أكثر أهميَّةً، هذا مع الحدِّ من الضوضاءِ الخلفيَّة للمساعدةِ في التركيز والإنتاجيَّة. وتُوضح المهندسة هليا، أن «التصميمَ الحسِّي لا يكون الهدفُ فيه، هو الصمتُ التام، وإنما خلقُ البيئةِ الصوتيَّةِ المناسبةِ لوظيفةِ كلِّ مساحةٍ، والأجواءِ المُراد تحقيقها فيها بحيث تبدو الصوتيَّاتُ متوازنةً، ومريحةً، وغير مشتِّتةٍ للانتباه».
أمَّا في المطبخِ المنزلي، فتُبيِّن علوي، أن «التصميمَ الحسِّي يمكن تعزيزه من خلال مساحةٍ مفتوحةٍ ومُرحِّبةٍ، تستفيدُ من الإضاءةِ الطبيعيَّة، وإضاءةِ المهام مع وضع الأعشابِ الطازجةِ في متناولِ اليد، وتوفيرِ مساحاتٍ جذَّابةٍ لتقديمِ الطعام، واختيارِ خاماتٍ تجعلُ عمليَّةَ الطهي وتناولَ الطعامِ أكثر متعةً».