نلاحظ جميعًا أنَّه ممَّن ولدوا في سلطنة عُمان خلال العقود الأخيرة لم يصادفوا طفلًا مُصابًا بشلَل الأطفال، ورُبَّما لهذا يبدو الحديث عن المرض اليوم وكأنَّه من الماضي. لكنَّه ليس كذلك ـ إن صحَّ لي القول! فالفيروس ينتقل حين يصل براز المُصاب إلى فَمِ شخص آخر، عبر ماء أو طعام ملوَّث أو أيدٍ لم تُغسل جيِّدًا، وقد يبلغ عند قلَّة من المُصابين الجهاز العصبي فيترك شلَلًا لا يزول. وللأسف لا يوجد دواء يشفي منه، وعليه لا يبقى أمامنا إلَّا التطعيم.
وعلى مستوى العالم، لم تغلق الصفحة بعد. صحيح أنَّ الحالات انخفضت بأكثر من تسعة وتسعين في المئة منذ عام (١٩٨٨)، لكن الفيروس ما زال يتنقل دول مثل أفغانستان وباكستان. من ناحية أخرى توجد تلك السّلالات المشتقَّة من اللقاح، التي ما زالت تصيب أطفالًا في بعض مناطق إفريقيا. ثم فموعد الاستئصال لهذا الفيروس نفسه تأخر، فقد أُجل إلى عام (٢٠٢٧) م بعد قرار اتُّخذ من منظَّمة الصحَّة العالميَّة في ديسمبر (٢٠٢٤). والخلاصة أنَّ سلطنة عُمان لا تستطيع أن تطمئنَّ ما دام الفيروس حيًّا في مكان آخر!
أمَّا سلطنة عُمان، ومنذ عام (١٩٨١)م، عملت جاهدةً للتحصين الكامل لأبنائها لِيصلَ التَّحصين في عام (٢٠٢٥)م لِيقتربَ من مئة في المئة في أحدث البيانات. بل وتراوحت نِسَب التحصين الكامل بين سبعة وثمانين في المئة وتسعة وتسعين في المئة، ولم يعثر إلَّا على طفل واحد لم يتلقَّ أيَّ لقاح. وفسَّر الباحثون ذلك بأنَّ المُجتمع يتقبل البرنامج الوطني للتحصين ويثق به!
بطبيعة الحال، ولكي أكونَ واضحًا، هنالك نسبة للأطفال الذين تلقَّوا اللقاح فعلًا، بِغَضِّ النظر عن عمر الطفل وقت أخذ الجرعة، وبِغَضِّ النظر عن المُدَّة الفاصلة بين الجرعات (نطلق عليها التغطية الخام). أي أنَّك تسأل: هل أخذ الطفل الجرعة أم لا؟ وهنالك نسبة للتغطية الصَّحيحة ـ إن صحَّ لي القول ـ والتي تحسب فقط الجرعات التي أعطيت في وقتها المناسب، أي بعد بلوغ الطفل الحدَّ الأدنى للعمر وبمراعاة الفترة الأدنى بين جرعة وأخرى، كما تحدِّدها منظَّمة الصحَّة العالميَّة.
لذلك، ستجد معي بأنَّ الأرقام الكبيرة قد تخفي ما هو أدقّ. فقَدْ وجد حقيقة فَرق بين التغطية الخام والتغطية الصَّحيحة، وهو ما يدلُّ على أن بعض الجرعات تُعطى متأخِّرة كلَّما كبر الطفل. بمعنى آخر، عندما تقترب التغطية من مستوى المناعة المُجتمعيَّة، يصبح توقيت إعطاء اللقاح محلَّ اهتمام أكبر، ويغدو الهدف التَّالي هو التَّحصين الكامل في موعده. فالطفل الذي يتأخر تطعيمه أسابيع سيحمى في النهاية، لكنَّه يمضي تلك الأسابيع أقلَّ حصانة، وحين يتكرر ذلك عند كثيرين يصير أثَره ملموسًا في المُجتمع!
وعليه، ومن خلال تلك النقاط، أجد أنَّه من الضروري للمعنيين النظر إلى النقاط الآتية: الأولى هي الالتزام بالمواعيد، فالوعكة الخفيفة لا تمنع التطعيم في الغالب، ويمكن للمراكز الصحيَّة أن تكونَ أكثر مرونةً، وأن تعتمدَ تذكيرًا أكثر فعاليَّة للأُسر. والثانية طبعًا، هو الحفاظ على حساسيَّة الرَّصد؛ لأنَّ مرور سنوات بلا حالات قد يبعث على الاسترخاء. أمَّا النقطة الثالثة فهي حركة السَّفر والوافدين؛ إذ لا ينبغي افتراض أن كل مَن يعيش على أرض سلطنة عُمان محصَّن، ومن الحكمة التحقُّق من سجلِّ التطعيم عند دخول الحضانة والمدرسة وعند قدوم الأُسر!
ختامًا، قصَّة سلطنة عُمان مع شلَل الأطفال قصَّة مسار طويل: تفشِّي المرض ثم استجابة، فبحث علمي، فتغطية تكاد تكون كاملة. وما كشفه المسح الأخير من ثقة الناس بالبرنامج هو أغلى ما تملكه الصحَّة العامَّة هنا في بلدنا. وما بقي أمامنا عمل هادئ ودقيق، يتمثل في تدارك التأخر في المواعيد وإبقاء الرَّصد متيقظًا، وعدم الركون إلى الراحة ما دام الفيروس يجول بعيدًا عنَّا. صحيح، اختفى شلَل الأطفال من أخبارنا اليوميَّة، لكنَّه اختفى لأنَّ منظومة كاملة تعمل في الخلفيَّة دون ضجيج... فشكرًا لوزارة الصحَّة العُمانيَّة، ولكادرها، ولحكومة سلطنة عُمان ومؤسَّساتها المعنيَّة.