مات ريتشاردز، مدير حسابات أمريكي يبلغ من العمر 23 عاما، لاحظ في السنوات الأخيرة، سيطرة المحتوى الرديئ، وضغوط المؤثرين والإعلانات المصقولة، ومقارنات أنماط الحياة المُحبطة على الإنترنت؛ فقرر البقاء "خارج الشبكة"، وحذف تطبيقات التواصل الاجتماعي من هاتفه العام الماضي.
وبعد أن نشر تدوينة على منصة "لينكد إن"، لمعرفة ما إذا كان هناك شباب مستعدون لتجربة البقاء "خارج الشبكة"، تلّقى ريتشاردز ما يقرب من 100 رد من أبناء "الجيل زد" وجيل الألفية، حول تجاربهم في التخلص من "سموم" وسائل التواصل الاجتماعي ومعاناتهم مع الإرهاق الرقمي.
وتحدثوا عن الشعور بالثقة بالنفس، وتغير الحياة نحو الأفضل، بعد استبدال هواتفهم الذكية بهواتف من حقبة التسعينيات، وزيارة متاجر الموسيقى لشراء أسطوانات الفينيل، وممارسة هوايات ممتعة ومفيدة، والتواصل مع الناس وجها لوجه.
وقال ريتشاردز لشبكة "سي إن بي سي- ميك إت": "أعتقد أن الناس في الماضي كانوا يأخذون استراحة من العالم الحقيقي باللجوء إلى هواتفهم، أما الآن فهم يأخذون استراحة من هواتفهم ليقضوا وقتا في العالم الحقيقي".
ويُعد ريتشاردز نموذج للاستجابة لصيحة الابتعاد عن الإنترنت، أو البقاء "خارج الشبكة" واتخاذ الوضع (Offline)، التي أصبحت تجذب الشباب مؤخرا، في محاولة للتحرر من قبضة وسائل التواصل الاجتماعي.
إيما تشامبرلين، مؤثرة ومقدمة بود كاست أمريكية من الجيل "زد" (مواليد 2001)، بالكاد تخطت سن 18 عاما، وأدرجتها مجلة "تايم" ضمن قائمة "أكثر 25 شخصية تأثيرا على الإنترنت"، ثم فازت بجائزة "أفضل مقدم بودكاست".
قالت في بودكاست أواخر عام 2025، حقق انتشارا واسعا: لا أعتقد أن هناك شخص على هذا الكوكب يقول "أنا أحب التواجد على الإنترنت"، فيبدو أن الجميع قد سئموا هذا الوضع، وأصبح الابتعاد عن الإنترنت هو الاتجاه الجديد السائد الآن، من أجل "الحفاظ على الصحة العقلية، بعد أن وصلنا إلى أقصى حدودنا".
وقد اقتنت تشامبرلين هاتفا يعود إلى عام 2000، وعادت للاستماع إلى الموسيقى من جهاز "آي بود" القديم؛ إلى جانب الاستمتاع بهوايات مثل القراءة والحياكة، بدلا من الإدمان على هاتف "آي فون".
فقد شهدت منصة "تيك توك" طفرة في مقاطع الفيديو لأشخاص يتعهدون بحذف تطبيقات التواصل الاجتماعي بحلول عام 2026، والانخراط في التفاعل المباشر والهوايات التقليدية.
كما أشار استطلاع أجرته شركة "ديلويت" عام 2025، وشمل أكثر من 4000 مواطن بريطاني؛ إلى أن ربع المشاركين قد حذفوا تطبيقا للتواصل الاجتماعي خلال الأشهر الـ 12 الماضية، وأن النسبة بلغت الثلث بين أبناء "الجيل زد".
وعلى الصعيد العالمي، أظهر تحليل لعادات التصفح لدى 250 ألف شخص بالغ في أكثر من 50 دولة، أجرته صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية بالتعاون مع شركة متخصصة في اتجاهات جمهور الإنترنت.
أن متوسط الوقت الذي يقضيه البالغون (من سن 16 عاما فما فوق) على منصات التواصل الاجتماعي، بلغ ساعتين و20 دقيقة يوميا بحلول نهاية عام 2024، وهو ما يمثل انخفاضا بنسبة تقارب 10% مقارنة بعام 2022. وقد كان هذا التراجع ملحوظاً أكثر بين المراهقين والشباب في العشرينات من العمر.
شهدت وسائل التواصل الاجتماعي تراجعا، بعد أن بلغ الوقت الذي يقضيه المستخدمون على هذه المنصات ذروته في عام 2022. وقال جيسون دورسي، الباحث المتخصص في دراسة الأجيال والسلوك البشري، لـ "سي إن بي سي":
إن تزايد مظاهر "العدائية والانقسام" عبر الإنترنت، وخاصة تلك التي تصدر عن القادة والسياسيين؛ "يدفع الشباب من أبناء الجيل (زد) وجيل الألفية للابتعاد تماما عن وسائل التواصل الاجتماعي، أو الحد من استخدامها، "سعيا منهم لقدر أكبر من التحكم في حياتهم".
وفي السياق نفسه، تربط تشامبرلين تراجع نشر الناس العاديين على وسائل التواصل الاجتماعي، بالتعب والإرهاق من توثيق كل شيء بشكل مثالي ونشره، ومتابعة كل شيء.
مقابل طغيان مساحة المؤثرين والإعلانات على مساحة الأصدقاء، والشعور بأن الخوارزميات تحجب المستخدم العادي عن أي تفاعل أو انتشار، "ما دام لا ينشر محتوى يحقق الربح للمنصة".
وبالفعل، يشير دورسي إلى أن شركات التكنولوجيا العملاقة تضع نفسها تحت "ضغط هائل" لتحقيق الربح المادي من كل شيء، بهدف زيادة الإيرادات.
والنتيجة هي أن أبناء "الجيل زد"، وهم جيل حساس للغاية تجاه الإعلانات، أصبحوا "الجيل الأكثر تعرضا للإعلانات في تاريخ البشرية".
أظهر استطلاع "ديلويت" أن ما يقرب من ربع المشاركين الذين حذفوا تطبيقات التواصل الاجتماعي أفادوا بأنها "أثرت سلبا على صحتهم النفسية، واستنزفت قدرا كبيرا من وقتهم".
وقال ريتشاردز: أشعر أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الآن أشبه بـ"منصة تفرض ضغوطا"، من خلال مطاردتك بالإعلانات والخدمات في كل مكان.
وهو ما أيدته رائدة الأعمال لاسي ستايس (36 عاما) بقولها: نحن نُغمر بكم هائل من المعلومات، إلى درجة قد تضعف قدرة أدمغتنا على التأمل والإنصات لأنفسنا، وتجعلنا "نمنح قيمة وأهمية لأشياء لا تهمنا أصلا".
ومع تحول المزاج العام ضد وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبح الابتعاد عن الإنترنت هو "الموضة الجديدة"؛ أشار ريتشاردز إلى أن الأشخاص الذين اختاروا الابتعاد عن الإنترنت "أصبحوا يبدون أكثر جاذبية وإثارة للاهتمام"، ولا يحتاجون إلى إثبات وجودهم من خلال عدد المتابعين والإعجابات.
وأوضح أن امتلاك الكثير من المتابعين كان يُعد أمرا مثيرا ومميزا في الماضي، "لكن هذه الهالة قد تلاشت".
من جانبها، قالت جوليانا سالغويرو، وهي مديرة حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي (31 عاما)، إن هذه المنصات فقدت بريقها وجاذبيتها بمجرد أن بدأ السياسيون والعلامات التجارية في استخدامها؛ مما زاد من "ميل الأجيال الشابة للانسحاب، لاستعادة السيطرة على حياتهم، والاتجاه نحو الفعاليات الواقعية".
تقول سالغويرو: رغم أن العودة إلى نمط الحياة التقليدي تُعد بمثابة "ثورة هادئة" ضد وسائل التواصل الاجتماعي، وتخمة المحتوى؛ إذ يتجه الشباب بشكل متزايد نحو الوسائط الحقيقية، بحثا عن استراحة من الحياة الرقمية. لكنها لا تعني بالضرورة حذف كل شيء والاختفاء تماما من الإنترنت ورمي هاتفك في البحر، بقدر ما تعني ببساطة إعادة ضبط علاقتك بهذا الجهاز، واستخدام الإنترنت بوعي أكبر، والعودة إلى الطريقة التي كنا نستخدمه بها من قبل؛ وهي: نشر ما نريد للأصدقاء، والاطلاع على ما نشروه، ثم المغادرة؛ لعيش حياة حقيقية، والانشغال بأمور أكثر أهمية من "التصفح القهري للأخبار السلبية".
فوسائل التواصل الاجتماعي "لا تزال جزءا لا يتجزأ من حياة الناس في مجالات تشمل التسوق والأخبار والتعليم"، بحسب كريس بير، الخبير في الرؤى والتحليلات.